عرفت "علي الشبيني" لفترة طويلة.
بالواقع لم يكن "علي" مجرد صديق، فقد زاملني طيلة فترة الدراسة بنفس المقعد، حتى أنهينا الإعدادية معًا، ثم افترقنا.. فالتحقت أنا بالثانوية العامة العسكرية، في حين أرغمه والده على الاكتفاء بشهادته، وألحقه بإحدى ورش النجارة ليساهم في مصاريف المنزل. بعدها لم أر "علي" إلا مرات قليلة، وعلى فترات تتباعد عن بعضها كلما زاد توهج الزمان.
انقطعت عن رؤية "علي" لكن أخباره لم تنقطع عني أبدًا. عرفت أنه لم يرتح بالورشة، فهرب منها بعد عدة شهور، سالكًا الطريق إلى القاهرة، معتمدًا -فقط- على يديه.
هناك عمل في محل تنظيف "دراي كلين" لما يقارب السنة، ثم عاد للإسكندرية ليفتتح محله الخاص بـ "الطابية" المتطرفة جغرافيًا وحضارة في أقصى المدينة.
قابلت "علي" بعدها فرأيته متوهجًا كما يكون التوهج. مشروعه الخاص هو الأول من نوعه في هذا الجزء من المدينة. المحل ينتعش ويغري بفروع ثانية. يومها نقلت لـ "علي" الحماس بداخلي حتى امتلأ حماسًا للفكرة هو الآخر، ووصلني بعد ذلك أنه افتتح فرعًا آخرًا بنفس المكان، ثم فرعًا ثالثًا بـ "المندرة" الأقرب نوعًا لوسط البلد.
بعدها بشهور لم أندهش حين اقتحمت عينيّ إعلانات تملأ جوانب محطات القطار، بل والقطار ذاته، تحمل اسم المشروع بخطوط كبيرة: "الكابتن" لخدمات التنظيف! لم أندهش حين أخبرني صديقي المقبل على الزواج أن تكاليف تأجير بدلة الفرح قد صارت أسهل من ذي قبل، عند "الكابتن" الذي صار يعرفه الجميع.
اندهشت فقط حين طالعني "علي" بقامته الفارعة ورأسه المرفوعة دائمًا، بينما صلعة خفيفة تزحف على مقدمة شعره الذهبي، رغمًا عن قوانين الوراثة التي تحتم كونه أسودًا فاحمًا كأبويه وجدوده.. سبب دهشتي أن "علي" كان يمر بالقطار حاملًا صندوقًا كارتونيًا يمتلئ بـ "قصافات الأظافر" و"جلد الأنابيب"، ويسعى مناديًا على بضاعته بصوت ظل دائمًا طفوليًا رغم ملامحه الرجولية القوية.
زالت دهشتي سريعًا وحل محلها شعور بالاحترام. ها أنت ذا ترى صديق طفولتك الذي قد صار يمتلك أربعة محلات، لا يكتفي بممارسة الإدارة، بل يصر على النزول للشارع والعمل، كما اعتاد دومًا. "علي" يصر على إنماء إمبراطوريته الصغيرة بساعديه!
داخلني شعور باحتقاري لنفسي وعملي الـ "رقيع" كمساعد مهندس لتصميم إعلانات التليفزيون، الذي لا يتطلب سواعدًا منتفخة ولا سيقانًا تمشي لثمان ساعات متواصلة يوميًا.
ما أخرجني عن شعوري وأطاح بآخر أبراج يافوخي كان خبر انتحار "علي"..
قال "محمد عباس" صديقنا المشترك أنه قوبل بالرفض عندما تقدم لفتاة كان يبادلها الإعجاب منذ فترة. لم يتحمل أن قرر أبوها أنه لن يزوجها لشاب لا يحمل حتى شهادة متوسطة!!
***
الأحداث السابقة هي محض خيال ولا تمت للحقيقة بصلة..
مجرد قصة.
بالواقع لم يكن "علي" مجرد صديق، فقد زاملني طيلة فترة الدراسة بنفس المقعد، حتى أنهينا الإعدادية معًا، ثم افترقنا.. فالتحقت أنا بالثانوية العامة العسكرية، في حين أرغمه والده على الاكتفاء بشهادته، وألحقه بإحدى ورش النجارة ليساهم في مصاريف المنزل. بعدها لم أر "علي" إلا مرات قليلة، وعلى فترات تتباعد عن بعضها كلما زاد توهج الزمان.
انقطعت عن رؤية "علي" لكن أخباره لم تنقطع عني أبدًا. عرفت أنه لم يرتح بالورشة، فهرب منها بعد عدة شهور، سالكًا الطريق إلى القاهرة، معتمدًا -فقط- على يديه.
هناك عمل في محل تنظيف "دراي كلين" لما يقارب السنة، ثم عاد للإسكندرية ليفتتح محله الخاص بـ "الطابية" المتطرفة جغرافيًا وحضارة في أقصى المدينة.
قابلت "علي" بعدها فرأيته متوهجًا كما يكون التوهج. مشروعه الخاص هو الأول من نوعه في هذا الجزء من المدينة. المحل ينتعش ويغري بفروع ثانية. يومها نقلت لـ "علي" الحماس بداخلي حتى امتلأ حماسًا للفكرة هو الآخر، ووصلني بعد ذلك أنه افتتح فرعًا آخرًا بنفس المكان، ثم فرعًا ثالثًا بـ "المندرة" الأقرب نوعًا لوسط البلد.
بعدها بشهور لم أندهش حين اقتحمت عينيّ إعلانات تملأ جوانب محطات القطار، بل والقطار ذاته، تحمل اسم المشروع بخطوط كبيرة: "الكابتن" لخدمات التنظيف! لم أندهش حين أخبرني صديقي المقبل على الزواج أن تكاليف تأجير بدلة الفرح قد صارت أسهل من ذي قبل، عند "الكابتن" الذي صار يعرفه الجميع.
اندهشت فقط حين طالعني "علي" بقامته الفارعة ورأسه المرفوعة دائمًا، بينما صلعة خفيفة تزحف على مقدمة شعره الذهبي، رغمًا عن قوانين الوراثة التي تحتم كونه أسودًا فاحمًا كأبويه وجدوده.. سبب دهشتي أن "علي" كان يمر بالقطار حاملًا صندوقًا كارتونيًا يمتلئ بـ "قصافات الأظافر" و"جلد الأنابيب"، ويسعى مناديًا على بضاعته بصوت ظل دائمًا طفوليًا رغم ملامحه الرجولية القوية.
زالت دهشتي سريعًا وحل محلها شعور بالاحترام. ها أنت ذا ترى صديق طفولتك الذي قد صار يمتلك أربعة محلات، لا يكتفي بممارسة الإدارة، بل يصر على النزول للشارع والعمل، كما اعتاد دومًا. "علي" يصر على إنماء إمبراطوريته الصغيرة بساعديه!
داخلني شعور باحتقاري لنفسي وعملي الـ "رقيع" كمساعد مهندس لتصميم إعلانات التليفزيون، الذي لا يتطلب سواعدًا منتفخة ولا سيقانًا تمشي لثمان ساعات متواصلة يوميًا.
ما أخرجني عن شعوري وأطاح بآخر أبراج يافوخي كان خبر انتحار "علي"..
قال "محمد عباس" صديقنا المشترك أنه قوبل بالرفض عندما تقدم لفتاة كان يبادلها الإعجاب منذ فترة. لم يتحمل أن قرر أبوها أنه لن يزوجها لشاب لا يحمل حتى شهادة متوسطة!!
***
الأحداث السابقة هي محض خيال ولا تمت للحقيقة بصلة..
مجرد قصة.



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ازيك يا احمد
تعرف ان لولا تنبيهك في اخر التدوينة بان الحكاية محض خيال انا كنت هاقتنع بمنتهي السهولة ان دي قصة حقيقية يمكن عشان اسلوبك في الكتابة ويمكن عشان الحياة اكبر من اي خيال وفيها تلاقي احداث القصة دي واحداث تانية اغرب واغرب ومسارات حيوات الناس متشابكة متقاطعة
اسلوبك حلو يا احمد وفعلا بلد شهادات صحيح !
مممممممممممممم ....
انت متأكد يا احمودي انها مش قصة حقيقية ؟؟؟
حتي لو كنت انت إللي كاتبها ...
بس حقيقي اسلوبك حلو اوي يا احمودي ...
طبيعي جدا و تلقائي جدا
رافع راسي يا صاحبي
هممممم..بطل البوست اسمه علي..ليلتك مش فايته..
***
وانا قاعد أقول هو احمد بيشتغل "مساعد مهندس لتصميم الاعلانات" من ورانا..القصة فعلا توحي بأنها حقيقية..وزي ما قلت قبل كده..جمل بسيطة ومعني رائع..100 100
ليست المرة الأولى التي يجذبني فيها حوارك في القضايا الإنسانية، ربما لأنك مثلنا جميعًا.. مستك هموم الناس واحتككت بها عن قرب، لهذا تأتي كل أحاديثك صادقة كأنما حدثت..
النص رائع للغاية.. أجمل ما فيه لغته الواقعية المرسومة بعناية فائقة، والتي كانت كافية تمامًا لعرض قضيتك في وضوح..
مشكلتنا يا أحمد أننا شعب نهوى الخداع، المظاهر في حياة الشعب المصري تمثل تسعين بالمائة من اهتماماته ومدار تفكيره، لهذا لم يتعجب الجميع قبلي ولم أتعجب أنا بدوري من أن تكون الأحداث حقيقية وقعت من قبل.. الأمر لن ينطوي على خيال طالما هذه المفردات هي المعايير الحقيقية في حياة المصريين، وأرقام أسواق السيارات والمحمول والبذخ في حفلات الزفاف وغيرها خير دليل، في بلدنا المصون لم يعد يهم فيمن أمامك كيف يحيا بقدر ما يهمه كيف يظهر أمام الناس، وهي آفة كبرى لن تجدها سوى في المجتمعات المتخلفة والتخلف هنا ليس سبة بقدرما هو وصف، نعم نحن متخلفون، قضية بطلك أنه كان واضحًا مع نفسه وضوح الشمس، كان يكفيه أنه نجاحه كائن ينبض ويمشيى ويتجسد في مشروعه الناجح لا في مجموعة أحبار تزين أوراق لا قيمة لها..
أعتقد أننا في حاجة لإعادة ترتيب الأوراق وليجيب كل منا..
هل نحن نتعلم للنجح أم ننجح لنتعلم ...
وفقط..
حسام تشاندرا: شكرًا ياباشا على رأيك الجميل.. فعلًا الحياة مليانة من ده.. عشان كده كل الناس استغربت إن الحكاية خيال × خيال
***
يوسف حبيب هارتي.. أول مرة تنوي البلوج يعني..
ميرسي ياصاحبي على كلامك الجميل.. أكيد رأيك يهمني.
عبدو: ماله علي؟ أنا حسب علمي انتا اسمك عبد الرحمن وملكش علاقة بعلي ده خالص. أبوك مش اسمه علي برضو!!
عايز إيه بأه؟
***
محمد الدسوقي: ردك الذي هو وحده "بوست" جديد..
شكرًا يامحمد على رأيك شديد الأهمية بالنسبة لي.
تلقائية جدا وواقعية جدا وجميلة جدا أيضا :)
تسلم ايديك يا أحمد :)
روعة روعة روعة
بجد فكرتك بتحكي عن صاحبك بجد
من اجل عينيك / فاطمة
رزان وفاطمة: تسلموا يابنات.
متشكر جدًا.
سلام..
كيف حاك عزيزي أحمودي؟
اندمجت كثيرا مع القصة و كنت أظنها حقيقية..دانا كنت حعيط على علي لو لم أقرأ التنويه الأخير..
سلام..
طارق ريوكين من منتدى روايات
شكرًا ياطارق على رأيك
انت فين من زمان قوللي ياعم؟
مش باين ولا حد شايفلك رد خالص
على الله يكون خير
ساكف عن قول عبارات الاعجاب المبتذلة..
حقا لا ادري ماذا ساقول.. انت عبقري بحق يا صديقي..
استغرب كيف لم تصل شهرتك الافاق حتى الان..
قضية واقعية وانت عكستها بصورة جذابة..
من قال ان القصة غير حقيقية.. في رايي انها حقيقية اكثر من اللازم.. حقيقية لدرجة تثير الغيظ.. ان لم يكن عندكم مثل هذه النماذج فنحن عندنا الكثير..
لولا اني لا البس القبعات لكنت خلعت احداها احتراما لك..
ياعم من غير قبعات ولا بتاع..
شكرًا ليك على رأيك الجميل والله انتا اللي أحرجتني وخلتني مش عارف أرد علبك :$