أحمد يحيى
تلك العصرية..
لك أن تتخيل.. الخلفية الصوتية المعتادة.. مزيج من أصوات بائعي الطماطم والبطيخ والبصل، مع أصوات عواء لأطفال، هناك أيضًا بضع ضربات على سجادتين قديمتين على إحدى الأسطح، بالإضافة إلى ضوضاء "خناقة" ما تدور في مجال الرؤية.. أضف إلى كل ذلك مذياع في أقصى المحل يعلن -بصوت مختنق بفعل تلك الكهرباء الإستاتيكية- عن الأغنية التي طالما انتظرها الجميع..
أغلقتّ المذياع فخفتت حدة الضوضاء في الخلفية بعض الشيء، ثم وضعت صندوق المياه الغازية الفارغ، الذي يطلقون عليه "شِل-shell" لأمامي باتجاه القبلة.. وعدلت من وضع قدميّ على سجادة الصلاة ذات الحروق التي أعرف مصدرها جميعًا.. وأقمت الصلاة.

***

حين لامست جبهتي الأرض في السجود الأول داخلني ذلك الشعور لأول مرة..
"داخلني" لا تصلح كلفظ هنا لوصف ذلك الشعور.. لكن الإحساس بالسكينة هو ما غمرني في تلك اللحظة..
لماذا؟
لا أدري..
لكن.. يمكن وصف اجتماع الماء الذي لازال يقطر من وجهي، مع هواء المروحة التي تدور على "الخامس"، في ذلك الحر الخانق، مع كل تلك الضوضاء المحيطة التي نجحت في تفاديها..

***

أول مرة أحس بالسكينة دي..
:)
أحمد يحيى

قليلة هي –ومتباعدة كذلك- تلك الأيام التي أشهد فيها ميلاد الصباح. في العادة يكون ذلك بفعل سهر طويل، لا بسبب استيقاظ مبكر.

في العادة أيضًا أستمتع بهذه الصباحات .

أذكر صباحًا منذ أعوام مع تلك الفتاة.. يومها أحببنا سويًا إشراقة الشمس، ثم كرهتها وحدي بعد ذلك للأبد.

كرهت تلك الأشعة البكر الثقيلة الآتية بعد فجر ناعس جميل.. الشمس في وجهي، وكل الموجودات تعكس الأشعة. زجاج ومرايا السيارات.. برك المياه الآسنة في الشوارع.. بل أسفلت الشارع ذاته.


أحببت الفجر أكثر..

الفجر موح بالوعود.. يمكنك التفكير بأريحية في المستقبل دائمًا عند الفجر.. سيكون المستقبل رائعًا.. لابد أنه سيكون كذلك. ستصبح رجل أعمال كبير.. هذا مؤكد. ربما تنضم لمجلس الشعب، وتصير وزيرًا لو حالفك الحظ أيضًا.. ستزور بلدان العالم أجمع.. تتزوج أجمل فتاة من كل بلد، ويكون لك منها طفل كذلك. ربما تصبح رئيسًا لبلدك بقليل من الجهد.


الفجر موح دائمًا.. حتى تأتي تلك اللحظة التي تخترق فيها الأشعة البغيضة عظام وجهك ذاتها، مؤذنة بانتهاء الحلم وبدء واقعك الكئيب، الذي ستقتصر أحلامك فيه على أن تعثر على واسطة لرجل الأعمال عضو مجلس الشعب عن دائرتك لتعيينك في وظيفة ما. ربما ترى العالم.. لكن عبر google earth فقط! وستصبح رئيسًا لبلدك كذلك.. فقط عندما ينتهي اليوم، وتحتضن وسادتك عائدًا لعالم الأحلام.

أحمد يحيى


في ذلك الجو لابد أن تكتب..


لا تنكرن من فضلك أن هواء السادسة صباحًا يختلف عن أي هواء استنشقته في حياتك. خاصة لو جاء بعد ليلة ساهرة كليلتك.

لكأنك ترى بعين الخيال ذلك الهواء البكر.. الهواء الذي قدم من المصنع توًا.. طازجًا.. لازال في فترة الضمان.. لكأنك تراه الآن يدخل جسدك رويدًا رويدًا، فيطرد منه آثام الليلة الماضية. كل المزاح البذيء وألفاظ السباب مع رفقاء السهر.. كل الوجبات السريعة التي تأكلك هي.. كل علب العصير والمياه الغازية كذلك..

شيئًا فشيئًا يحتل الهواء تلك المساحة المكونة لروحك، فتشعر أنك أفضل. لابد أنك تصير أفضل!


خذ عندك أيضًا ذلك القدح الساخن ذو البخار يصّاعد في وجهك.. قدح "الحلبة الحصى" تكتفي بتأمله على ذلك المقهى في ذاك الحي الجميل.. أبو قير.


خذ كذلك خلو الشارع من أي أثر للمارة.. إنه صباح الجمعة، فلابد أن الجميع قد أزال آثار سهرة الخميس وغاب في نوم عميق.


يمكنك أيضًا –على سبيل زيادة الأثر في نفسك- أن تتذكر قدح القهوة المضبوطة على مقهاك المفضل في سيدي بشر منذ ساعتين.. إنها الرابعة فجرًا.. وتلك الهريرة تبدأ يومها بمرءاك. لابد أنها ستتذكر وجهك فور أن "تبُخ" إحدى لداتها في وجهها: "اصطبحتي بوش مين النهارده؟!!".. لكنها ستتذكر أيضًا أنها غسلت وجهها من أثر النوم في كوب الماء خاصتك. ربما تغفر لك.


لنر المحصلة إذن..

هواء نقي بعد سهرة "شديدة".. ثم قدح من "الحلبة الحصى" يتلو آخرًا من القهوة المضبوطة.. السادسة صباحًا في مقهى بلا رواد وشارع بلا مارة.. ذكريات عن هريرة شقية وكوب ماء بشوارب القطط..

هل تكتب؟

أحمد يحيى




سيدخل الطبيب الآن..
لابد أنه سيدخل الآن. هذا واضح، مع استعداد الممرضة الوحيدة والفتاة القروية التي تتخذ مجلسها على مكتب صغير في صدر الحجرة الكبيرة التي اصطلحوا على تسميتها بـ "الاستقبال". عمل الفتاة هو ذاته نفس عمل عسكري المرور: التأكد من دخول المرضى للطبيب بترتيب الدور. لابد أيضًا من أن تتأكد من أن جميعهم قد حصل على تذكرة مقابل ما دفعه من مال.

سيدخل الطبيب الآن..
لابد أنه سيدخل مرتديًا بذلته الكلاسيكية السوداء بدون رابطة عنق. لا أعتقد أنه سيدخل بزي الأطباء المميز "البالطو".. ربما يحتفظ به بالداخل.

سيدخل الطبيب الآن..
لابد أنه سيلقي نظرة سريعة على المرضى في "الاستقبال"، يعمل عقله بعدها سريعًا لحساب الدخل لمتوقع خلال الساعتين اللتين سيقضيهما في العيادة. أنا واثق أنه -كعادته- لن يلقي التحية، بل سيشمل الموجودين بالنظر فقط، ثم يتجه رأسًا إلى حجرة الكشف، التي يجاور بابها مكتب الفتاة القروية. لابد أن شعورًا بالاستعلاء سيكتنفه حال مروره السريع.. هؤلاء المرضى الجالسون في انتظار عصاه السحرية.. الأحمق! لا يدري بأنه ليس إلا وسيلة فقط. الشفاء من عند الله!

سيدخل الطبيب الآن..
أراهن أنه سينظر نظرة خاصة للممرضة. لابد أن علاقة تجمعه بها. كلا.. من المستحيل أن تكون القروية.. الممرضة أجمل وأرقى كثيرًا. لابد أنهم يتبادلون القبل -وربما ما هو أكثر- في حجرة الكشف، تحت أسماع وأبصار المرضى الغافلون في الخارج في "الاستقبال".. هذا حتمي.. ربما يصورها كذلك.

سيدخل الطبيب الآن..
رباه.. لا أجرؤ على تخيل مدى وقاحته إذ يخطو للداخل بينما الجميع يدرك ما يفعله. أي وقاحة!!

سيدخل الطبيب الآن..
وقد دخلت بالفعل: أنا الطبيب ياسادة!
أحمد يحيى
عرفت "علي الشبيني" لفترة طويلة.
بالواقع لم يكن "علي" مجرد صديق، فقد زاملني طيلة فترة الدراسة بنفس المقعد، حتى أنهينا الإعدادية معًا، ثم افترقنا.. فالتحقت أنا بالثانوية العامة العسكرية، في حين أرغمه والده على الاكتفاء بشهادته، وألحقه بإحدى ورش النجارة ليساهم في مصاريف المنزل. بعدها لم أر "علي" إلا مرات قليلة، وعلى فترات تتباعد عن بعضها كلما زاد توهج الزمان.
انقطعت عن رؤية "علي" لكن أخباره لم تنقطع عني أبدًا. عرفت أنه لم يرتح بالورشة، فهرب منها بعد عدة شهور، سالكًا الطريق إلى القاهرة، معتمدًا -فقط- على يديه.
هناك عمل في محل تنظيف "دراي كلين" لما يقارب السنة، ثم عاد للإسكندرية ليفتتح محله الخاص بـ "الطابية" المتطرفة جغرافيًا وحضارة في أقصى المدينة.

قابلت "علي" بعدها فرأيته متوهجًا كما يكون التوهج. مشروعه الخاص هو الأول من نوعه في هذا الجزء من المدينة. المحل ينتعش ويغري بفروع ثانية. يومها نقلت لـ "علي" الحماس بداخلي حتى امتلأ حماسًا للفكرة هو الآخر، ووصلني بعد ذلك أنه افتتح فرعًا آخرًا بنفس المكان، ثم فرعًا ثالثًا بـ "المندرة" الأقرب نوعًا لوسط البلد.
بعدها بشهور لم أندهش حين اقتحمت عينيّ إعلانات تملأ جوانب محطات القطار، بل والقطار ذاته، تحمل اسم المشروع بخطوط كبيرة: "الكابتن" لخدمات التنظيف! لم أندهش حين أخبرني صديقي المقبل على الزواج أن تكاليف تأجير بدلة الفرح قد صارت أسهل من ذي قبل، عند "الكابتن" الذي صار يعرفه الجميع.
اندهشت فقط حين طالعني "علي" بقامته الفارعة ورأسه المرفوعة دائمًا، بينما صلعة خفيفة تزحف على مقدمة شعره الذهبي، رغمًا عن قوانين الوراثة التي تحتم كونه أسودًا فاحمًا كأبويه وجدوده.. سبب دهشتي أن "علي" كان يمر بالقطار حاملًا صندوقًا كارتونيًا يمتلئ بـ "قصافات الأظافر" و"جلد الأنابيب"، ويسعى مناديًا على بضاعته بصوت ظل دائمًا طفوليًا رغم ملامحه الرجولية القوية.
زالت دهشتي سريعًا وحل محلها شعور بالاحترام. ها أنت ذا ترى صديق طفولتك الذي قد صار يمتلك أربعة محلات، لا يكتفي بممارسة الإدارة، بل يصر على النزول للشارع والعمل، كما اعتاد دومًا. "علي" يصر على إنماء إمبراطوريته الصغيرة بساعديه!
داخلني شعور باحتقاري لنفسي وعملي الـ "رقيع" كمساعد مهندس لتصميم إعلانات التليفزيون، الذي لا يتطلب سواعدًا منتفخة ولا سيقانًا تمشي لثمان ساعات متواصلة يوميًا.

ما أخرجني عن شعوري وأطاح بآخر أبراج يافوخي كان خبر انتحار "علي"..
قال "محمد عباس" صديقنا المشترك أنه قوبل بالرفض عندما تقدم لفتاة كان يبادلها الإعجاب منذ فترة. لم يتحمل أن قرر أبوها أنه لن يزوجها لشاب لا يحمل حتى شهادة متوسطة!!



***




الأحداث السابقة هي محض خيال ولا تمت للحقيقة بصلة..
مجرد قصة.
أحمد يحيى

يطرق الباب بلطف.
طرقة.. اثنتين.
يلتفت الجالس بالداخل بهدوء وبدون أن يقطع كلامه في الهاتف ناحية الباب وكأنه يرى الطارق عبره، ثم -وبنفس الهدوء- يعيد رأسه كما كانت.

***


يطرق الباب بشدة.
طرقتين متتابعتين، فطرقتين أخريين.
يلتفت الجالس مرة أخرى بهدوء أشد ليتابع الطرقات، ثم يعود كما كان حال سكوت الطارق.


***


يطرق الباب بعنف.
بيد واحدة ثم بكلتى يديه. (يرزّع) على الباب بـ (كلوة) يده، ليرفع من إيقاع الطرق.
لا يلتفت الجالس هذه المرة، بينما من بالخارج يكاد يوسع الباب ركلًا من فرط غيظه.
- مش حفتح غير لما تضرب الجرس يامحمد.
يعلو صوته واهنًا ضعيفًا، لكن "محمد" يسمع رغم انهماكه في الطرق.
يتوقف. إنه يعرف والد جيدًا.. يعرف رأسه الـ (ناشفة) التي اشتهر بها في العائلة. إذا ما أصر والده على شيء فلن يسكت حتى يحصل عليه. يعرف أيضًا أنه طالما كان الطفل سريع انحناء الرأس. لم يرفض لأبيه طلبًا قط!
سيطرق الجرس حتمًا. رغم أنه تعمد إتيان ما لا يحبه أبوه هذه المرة كنوع من التمرد عليه.
ينظر بحسرة للجرس. يتهدل كتفاه.
يطيل النظر للجرس. ولا يطرقه!


***
أحمد يحيى
قالت لي:
كان الشارع يضج بزحامه.. ولا صوت يعلو فوق أصوات الباعة الجائلين.. السيارات، والمارة ذاتهم.
كلهم يمرق نحو هدفه بلا تفكير.. هذا الوسيم ذو ربطة العنق الحمراء، لابد أنه مدير شركة ما. الفتاة المحجبة التي تتمسك برزمة أوراق.. هي طالبة كما يبدو. السيدة العجوز التي تتحدث بصوت لا تسمعه هي ولا محدثها من الزحام. مجموعة الشباب ذوي اللحى.. إنه وقت المغرب فلاشك أنهم في طريقهم للمسجد. أسراب الفتيات الجامعيات.. شباب يهيمون بلا تفكير.. رجال، عجائز، أطفال!
الجميع يتحرك، فيما عداه.


***



هاتان العينان الحزينتان..
أعرف أن البدء بوصف عيني شاب هو أغرب ما قد تقابله ياصديقي من فتاة مثلي.. لكنه كان عينان. هذا الشاب كان عينان لم أر مثلهما..
لا أدّعِ أنهما جميلتان.. بل هما موحيتان فقط.
استغرقت فيهما للحيظات قبل أن أفزع إلى باقي الوجه المثلث.. ثم الرقبة الطويلة.. منحدرة بأنظاري نحو الجسد النحيل، الرشيق رغم ذلك.. مع رجلين طويلتين.
ملابس تشي بأصل طيب، وأسرة متوسطة الحال.. بنطال "جينز" أسود مع حذاء لامع.. تيشيرت رمادي ضيق نوعًا ما..
لا أدري لِم استغرقني هكذا فتناسيت موعدي المهم، واخترت زاوية مناسبة أراه منها كاملًا، ثم استتندت على مؤخرة سيارة.. وانتظرت.
هل كان ينتظر هو الآخر؟
كان في وقفته ساهمًا شاردًا وكأن الدنيا من حوله تدور بسرعة الصاروخ فلا تعنيه في شيء.
وكأن الوقت ملكه فلا يضايقه التأخر.
وهكذا انتظرت..
وانتظر.


***



وظل هو على عهده غير المكتوب حزينًا شاردًا.. يحرك عينيه في الموجودات بدون أن يرى.. بل إن عيناه قد التقيتا بعيني مرة أو مرتين فلم أر منه ما يدل على أنه لاحظ تدقيقي فيهما.


***



اللحظة التالية كنت أمامه أتحدث بصوت خفيض، بدا واضحًا له رغم الصخب المحيط... قلت كلامًا كثيرًا لا أذكر منه شيئًا تقريبًا.
لكني قلت فقط ما أنا محتاجة إلى قوله..
وهو استمع.
بعينيه الحزينتين استمع.. بوجهه المثلث.. برقبته الطويلة.. بقامته الفارعة الرشيقة.. بنحوله، وبنطاله الأسود.. وحذائه اللامع، استمع.
ثم قال: أنا ضائع.
فقط..
ولأنني كنت ضائعة أنا الأخرى فقد تشابكت أيدينا، وسرنا في الطريق الغاص بالبشر، وكأننا نعرف بعضنا البعض منذ ملايين السنين.
وهكذا أحب كل منا الآخر، يوم افترق كل منا عن صاحبه.


***



أحمد يحيى


قرأت خبرًا منذ يومين، مفاده أن سائحًا أمريكيًا أخذ يعبث للحظات في تمثال فرعوني لدى بازار مصري صغير، ثم تركز اهتمامه على شيء ما في التمثال.. لحظات ثم تركه وغادر.
جرى البائع خلفه ليفهم السبب، فعرف أن السائح قرا ببساطة على قاعدة التمثال: Made in China.


***


اعتكفت حين كنت في السادسة عشرة في مسجد تابع للسلفيين، لعشرة أيام أخيرة قبل العيد.. وأدار المنظمون مسابقة للأشبال، فزت بها.. فأهدوني غطاء سعودي للرأس (غُترة).. قرأت عليه: Made in China.


***


هواتف محمولة صينية وذهب صيني..
فوانيس رمضان صينية وسواك صيني..
ألن يخترعوا "عُمرة" صينية بالمرة؟


***


لست أول ولا آخر من يتحدث عن الغزو الصيني، ولست بأفضل من يجيد الحديث بالتأكيد.
لكني فقط أقول أن الوضع لا يعجبني.